يسرنا دعوتكم لمشاركتنا في حفل خاص تقيمه دار الكتب الوطنية لتكريم المرحوم الشيخ كمال الدين جعيط يوم الجمعة 5 جانفي 2018 على الساعة الثالثة بعد الظهر بقاعة المحاضرات الطاهر الحداد بدار الكتب الوطنية

25995006_1538878969529242_4150188332233293332_n

سيرة ذاتية لفضيلة الشيخ العلامة كمال الدين جعيط

بقلم

خالد الأصرم

ولد الشيخ كمال الدين جعيط بضاحية المرسى في الرابع عشر من جمادى الآخرة من سنة 1340 هجريّة، الموافق لـ22 فيفري 1922 ميلاديّة. ونشأ في عائلة عريقة من أصول يمنية استوطنت منذ الفتح الإسلامي القيروان، واستقرت بالحاضرة عند بزوغ شمس الدولة الحسينية، وبرز فيها ثلة من العلماء، منهم الشيخ الفقيه المدرس محمد جعيط، وابنه وسميه محمد (ت 1736)، وهو من مشاهير الفقهاء أيام حسين بن علي، وأول من تولى التدريس بالمدرسة الحسينية، ومنهم محمد بن حمودة جعيط الذي تولى الإفتاء سنة 1914، وكان له ميل إلى الأدب وله شعر جيد، ومنهم الكاتب الشيخ يوسف بن أحمد جعيط، جد المترجم له، وقد ترأس المحكمتين المدنية والجنائية، وتولى رئاسة ديوان الإنشاء عام 1907، وتقلد في السنة الموالية منصب الوزارة الكبرى في مدة محمد الناصر باي، ومكث فيها إلى وفاته سنة 1915، وهو ابن أخت الوزير الكاتب أحمد ابن أبي الضياف.

وقد لازم الشيخ كمال الدين والده العلامة الشيخ محمد العزيز بن يوسف جعيط، وكرع منذ حداثة سنه من فيض علمه وانتفع به غاية الانتفاع، وأخذ عنه أصول التربية ومبادئ الأخلاق. وقد اضطلع الشيخ محمد العزيز بعديد الوظائف والمهام التي أنيطت بعهدته، وكان موصوفا بالحزم والعزم والثبات على الحق. تصدر للإقراء بجامع الزيتونة (1911-1945) فأجاد وأفاد وكان من جهابذة عصره، وسمي مدرسا بالمعهد الصادقي (1914-1943)، وأسندت إليه خطة الإفتاء على مقتضى المذهب المالكي (1919)، وكلف بإدارة مشيخة الجامع الأعظم وفروعه (1939-1942)، وولي مشيخة الإسلام المالكية،  واقتعد دستها عام 1945 فأصدر نفائس الفتاوى. ثم عين وزيرا للعدل في وزارة الكعاك ومشرفا على القضاء (1947-1950) مع إبقائه على خطة مشيخة الإسلام، وسمي إبان الاستقلال مفتيا للديار التونسية (1956-1960)،  ومن آثاره الجليلة التقنين الذي أنجزه عند إصداره لائحة مجلة الأحكام الشرعية وهو كتاب في الأحوال الشخصية والاستحقاق العقاري حسب ما يمليه الفقه المالكي والحنفي، طبع في الأربعينات. وقد قام الشيخ محمد العزيز بتكوين لجنة للنظر في الأحكام الشرعية، أعدت مسودة كانت المصدر الأساسي لمجلة الأحوال الشخصية التي أصدرت في شهر أوت 1956.

 نشأ الشيخ كمال الدين في منبت عزّ ونزاهة، ولما وصل إلى سن التأديب، أوكله والده إلى المؤدب الشيخ عبد الرحمان زمال، فقرأ عليه القرآن الكريم، وزاول تعلمه بالمدرسة الابتدائية بالمرسى، ثم قضى مدة وجيزة بالمعهد الصادقي،  وبتوجيه من والده انتقل إلى المدرسة الخيرية تمهيدا للدخول إلى جامع الزيتونة. وتابع  دراسته بهذا المعلم المعمور حيث نجح بتفوق في امتحان القبول الذي مكنه من الارتقاء مباشرة إلى السنة الثانية، وتحصل على شهادة الأهلية بعد إتمام المرحلة الابتدائية (1940)، ثم أحرز على شهادة التحصيل في نهاية المرحلة الثانوية (1944)، وانتقل إلى التعليم العالي في القسم الشرعي وشارك بنجاح في مناظرة التدريس من الطبقة الثالثة، وإثرها منح التدريس من الطبقة الثانية، وكان ذلك في غضون سنة 1950.

ومن شيوخه الأجلاّء الأعلام، من الذين طالما أثنى عليهم وتحدث عن فضلهم، نذكر على الخصوص والده العلامة الشيخ محمد العزيز جعيط، وإمام الجماعة العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، وصهره  الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور، والشيخ البشير النيفر، والشيخ بلحسن الأخوة، والشيخ الصادق المحرزي، والشيخ الهادي العلاني، والشيخ أحمد ابن ميلاد، والشيخ العربي العنابي، والشيخ محمد المستيري وكان لهذا الأخير اختصاص بشيخه محمد العزيز جعيط، قرأ عليه ولازمه ملازمة الابن لأبيه، ووفاء لأستاذه واعترافا له بالجميل اعتنى بدوره بتلميذه كمال الدين وقربه نجيا،  فكان يستقبله دوما في محل سكناه يدارسه أمهات الكتب ويراجعه فيما أشكل عليه ويبين له شتّى المسائل بتمحيص وتدقيق، فيخرج من عنده برؤية جلية واضحة.

وقد قضى المترجم له عام 1950 بالفرع الزيتوني بالمنستير إثر حصوله على شهادة التدريس، ثم عاد الى العاصمة حيث باشر التعليم بجامع الزيتونة،  واختص في مادة أصول الفقه. وولي إمامة الخطابة بجامع الحلق خلفا عن والده وخطب على التوالي في جامع الباي بقرطاج، وجامع سيدي عبد العزيز المهدوي والجامع الأحمدي وكلاهما بالمرسى. واستمر في خطة التدريس إلى  إلغاء التعليم الزيتوني، حيث نقل إلى المعهد الثانوي بحلق الوادي كأستاذ في مادة العربية والتربية الإسلامية. وفي سنة 1970 عين أستاذا محاضرا بكلية الشريعة وأصول الدين التي كانت في ذلك الحين تحت إشراف العميد صديقه الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة، وتولى فيها تدريس فقه العبادات والمعاملات والفقه المقارن.

وإثر إحالته على المعاش سنة 1984، تقلد الشيخ كمال الدين مناصب جمة  ومسؤوليات مهمة تعينت عليه وقام بأعبائها بجد لا يعرف الفتور، وعززت حضوره في المشهد الديني التونسي. فشغل عضوية المجلس الإسلامي الأعلى للدولة التونسية، وانتدب خبيرا بالجامعة العربية التي كان مقرها آنذاك بتونس للعمل في مشروع توحيد التشريعات العربية بالخصوص في قوانين الأسرة (1989-1998). وفي نفس المدة عين عضوا بمجمع الفقه الإسلامي بجدة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وانتخب عضوا بمجلس النواب بباردو في دورة 1994-1998، وعين بعد ذلك مفتيا للجمهورية التونسية وباشر هذه المهمة نحوا من عشر سنوات، ثم  قدم استقالته  لأسباب صحية.

وقد تبرع في آخر أيامه بكامل خزانة الكتب التي ورثها عن أبيه وجده إلى المكتبة الوطنية، مزودة بأهم المصادر والمراجع، محتوية على مجموعة وافرة من المصنفات في شتى المباحث وعلى مخطوطات قديمة نادرة، إضافة إلى ما تيسر له اقتنائه وجمعه طوال حياته من الكتب المطبوعة.

إنّها حياة مليئة بالأعمال المفيدة النافعة، وقفها على اكتساب المعارف، وكرس أغلى أوقاته فيها مقبلا على رياض العلوم، ضاربا من كل فن من الفنون بسهم، وما زال في رفعة مقام يحفه الإجلال والإعظام إلى أن لبى داعي ربه في يوم العاشر من صفر 1434 \23 ديسمبر 2012، ودفن في تربة آله بمقبرة الجلاز.