نّدوة دّولـيّة بعنوان “ما بعد الدّاعشيّة : مقاربات وإستراتيجيات”، بالتعاون مع مركز مسارات، يوم الجمعة 09 مارس 2018 على الساعة التاسعة صباحا بقاعة المحاضرات الطاهر الحداد

ينضم مركز مسارات للدراسات الفلسفية محاضرة بعنوان ما بعد الدّاعشيّة مقاربات وإستراتيجيات بالتعاون مع دار الكتب الوطنية وذلك يوم الجمعة 9 مارس 2018

تعتبر ظاهرة التطرّف من أخطر القضايا الرّاهنة وأكثرها تعقيدًا وتركيبًا، حيث أصبحت اليوم قدرًا إنسانيًّا وتهديدا مشتركًا للشّعوب والأوطان، وهو ما جعلها في قلب اهتمامات البحوث والنظريات والمقاربات، تفسيرا وتوصيفا وتحليلا. جلّ هذه البحوث المهتمّة بموضوع التطرّف والحركات المتطرّفة والإرهابيّة أكّدت على أهميّة الاختلالات الاجتماعيّة والاقتصاديّة كعوامل مفسّرة للانحرافات السلوكيّة والقيميّة. لكنّ اخضاع هذه الفرضيّات للتجربة غالبا ما يكشف عن عوامل أخرى تجعل الحرمان الاقتصاديّ وتباين موارد القوّة والسلطة عاملا غير كاف لإنتاج ظواهر التطرّف والإرهاب.
في المقابل تؤكّد دراسات أخرى عوامل الانتماء والهويّة الجمعيّة وتأثيرها على الأفراد وخضوعهم لقواعدها المعياريّة والقيميّة، متغذّية من تيارات فكريّة وإيديولوجيّة معتمدة على الفوضويّة ومناهضة الاستعمار والاشتراكيّة والأصوليّة الدّينيّة. كما تذهب أبحاث أخرى حديثة إلى أهميّة دور “المقاولين السياسيين” في تحويل آلام ومآسي الأفراد، إما إلى أفعال وممارسات عمليّة من خلال بناء الوعي والفكر النضالي لتحقيق مطالبها، أو ” تدجينها” و إجهاضها عبر تغيير مسارها.
إلى جانب هذه التشخيصات والتّحاليل توجد رؤى أخرى تربط التطرّف والإرهاب بانتشار إيديولوجيات مأساويّة وأخرويّة ضمن أنساق أسطوريّة وقيميّة وفكريّة عامّة، تقوم على ثنائيات الخير والشرّ والدّنيويّ والأخرويّ والحقّ والباطل وتجعل الموت تعبيرا عن تطهير الذّات وتحقيق العدالة. فالتطرّف من هذا المنظار يبدو حالة مرضيّة تسيطر عليها مشاعر الثأر عليها و اغتيال الإنسانيّة.
انطلاقا من هذه المعطيات تعتبر الظاهرة الدّاعشيّة ظاهرة غير طارئة على عالمنا العربي الإسلامـي. فهي تبدو متجذّرة في عمق التراث، وفي المخيال الجمعي الذي يوجّه الشخصية القاعدية ومسار سلوكياتها أفرادا وجماعات. ومن ثم فلا غرابة أن لا تستثني الظّاهرة طبقة من الطبقات الاجتماعيّة أو فئة من فئاتها إلا تسرّبت إليها أو سعت إلى استقطابها واستمالتها، بآليات ومسميّات مختلفة، ممّا يؤكّد على أنّ الأمر بنيوي، وأنّ الخلل جوهريّ راسخ في ثنايا التّركيبات الفكريّة والنفسية. وهو ما يدعو إلى الجرأة في التناول والموضوعيّة في الفهم والتّحليل والحياديّة في التشخيص، دون أن يتحوّل الحديث في الداعشيّة إلى وجهة نظر ، خاصّة وأنّ شعوبنا تعيش اليوم منعرجا حاسما وخطيرا في تاريخها النضالي وتوقها إلى التّحرّر، في ظلّ تآكل الأطّر المعرفيّة، وتهافت المرجعيات القيميّة والأخلاقيّة.
هذه الصورة المتشابكة تثبت أنّ التصدّي للظّاهرة الدّاعشيّة والقضاء على تعبيراتها التنظيمية، لا ينبغي أن ينحصر فقط في التنديد الإعلامي، أو التحذير الدعوي والعداء الإيديولوجي، ولا الاكتفاء بالأعمال الاستخباراتية الأمنية، أو المواجهات العسكرية. بل الأمر يتطلّب مجهودا فكريّا عميقا متعدّد الأبعاد والمقاربات، قادرا على إعادة صياغة مفهوميّة للإنسان المتحرّر والواعي في سياقنا الحضاري.
من هذا المنظار يأمل المنظّمون أن تكون هذه النّدوة الفكريّة مناسبة للتّفكير الجادّ والعميق في الظّاهرة الداعشيّة، عبر فتح نقاش علمي بنّاء يطرح براديغمات تفسيرية جديدة لظاهرة التطرّف الدّيني من زاويا مختلفة ومقاربات متنوّعة : تربوية، وسوسيولوجية، وأنثروبولوجية، وسيكولوجية، لاستشراف رؤى بديلة، تستند إلى مراجعات عميقة وجهد تفكيكيّ للبنـى النظرية لمنظومة الفكر الدّيني العربي والإسلامي، انطلاقا من المحاور التّاليّة :
1- ظاهرة التطرّف العنيف: التّنظير والبيداغوجـي
2 – تمثّل المخيال الجماعي للآخر: الظاهرة التكفيريّة بين الدّينـي والسياسي.
3- السيّاسات العامّة لمواجهة التّطرّف والإرهاب: الروحانيّة والمنزع الأخلاقي ومقاربة العدميّة المعاصرة