اكتشاف نسخة ثالثة من مصحف ابن غطوس بدار الكتب الوطنية التونسية

كُتب هذا المصحف بالخط المغربي الدقيق المعروف بـ”المغربي المبسوط” على الرق، بمداد بني فاتح، كما قام الخطاط بوضع إشارات الشدّ والجزم باللون الأزورد، أما علامات الإعراب الأخرى فقد وضعها باللون الأحمر ، بينما خَصص للهمزة لونا برتقاليا.
وقد قام بوضع أشكال مستديرة بهامش صفحات المصحف ، بها زخرفة على أشكال هندسية جميلة متناهية الدقة ومذهبة، كإشارة لعلامات الأثمان والأرباع وأنصاف الأحزاب. وكان ابن غطوس يكتب اسمه في آخر ورقة من المصحف بمداد الذهب مع تاريخ النسخ.
وهذا المصحف به طمس بالحبر الأسود، في آخر ورقة لاسم الناسخ وتاريخ النسخ. وكأن الذي تعمد وضع الحبر على اسم الناسخ يريد إخفاء اسم ابن غطوس لغاية في نفس يعقوب.
ففي يوم السبت 24/02/2018تم عرضنا المخطوط على أهل الاختصاص في فن الخط المتمثلين في السادة:
1- الخطاط البارع الأستاذ عمر الجمني وهو من أبرع ما لدينا بتونس لكتابة الخط العربي
2- السيدة فاطمة الجزيري ماجستير الخط الكوفي القيرواني التونسي
فاقتصرت اللجنة على شخصين من أهل الاختصاص في فن الخط
والسيد شاكر عادل كشك (رئيس قسم المخطوطات ومجاز في الخط “الكوفي” و “الرقعة” من معهد سيدي شيحة بالحلفاوين)
كما حضرت الزميلة حياة العبدلي (مفهرسة بالمخطوطات) هذا الاجتماع .
وقد قمنا بمقالة المصحف المكتشف على نظيريه بدار الكتب الوطنية
النسخة الأولى لابن غطوس تحت رقم 13727 أصلها من الأحمدية نسخت سنة 564هـ = 1169م
والنسخة الثانية له أيضا تحت رقم 18791 أصلها من مكتبة حسن حسني عبد الوهاب نسخت سنة 558 هـ = 1163م
وقد أجمعت اللجنة على أن الخط بالمصحف المذكور هو نفسه للخطاط ابن غطوس، وقد لوحظ أنه كتب بنفس التعريقة، ونفس الألوان، ونفس علامات الشدّات، فكانت جميعها في المصاحف الثلاثة باللون الأزرق، وكان التذهيب في المصحف المكتشف الصغير برّاقا ولمّاعا أكثر مما في نظيريه . والحاصل أن الخطاط الذي كتب المصحفين المعلومين المنسوبين لابن غطوس هو نفسه الذي خط المصحف المذكور.
والسؤال الذي يطرح نفسه كيف وصل هذا المصحف إلى بلادنا؟
وللجواب عن هذا السؤال لا بد من تعريف ابن غطوس.
ابن غَطُّوسْ، (ويقال ابن غطوش) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن علي بن مفرّج الأنصاري، أبو عبد الله ابن غطوس (610 ه = 1213 م)
ناسخ، أندلسي من أهل بلنسية. انفرد في وقته بالبراعة في كتابة المصاحف ويقال إنه كتب ألف مصحف، تنافس فيها الملوك وكبار الناس. وكان قد آلى على نفسه ألا يكتب حرفا إلا من القرآن، خلف أباه وأخاه في هذه الصناعة. كان رحمه الله يختلي في غرفته ولا يسمح لأحد بالدخول عليه أثناء كتابته للمصحف. يقال بأن مصحفه بيع – أي وهب – بما يزيد على المائتي دينار ذهبا (أي بما قيمته 840 غ ذهبا خالصا)
قال الصفدي: رأيت بخطه مصحفا أو أكثر وهو شئ غريب من حسن الوضع ورعاية المرسوم، ولكل ضبط لون من الألوان، فاللأزورد للشدات والجزمات، والأخضر للهمزات المكسورة، والأصفر للهمزات المفتوحة.
وقد ذكر ابن الأبار البلنسي في التكملة لكتاب الصلة ترجمة لمحمد ولد عبد الله بن غطوس قال : “كان محمد يكتب المصاحف وينقطها وانفرد في وقته بالإمامة في ذلك ، براعة خط وجودة ضبط ويقال أنه كتب ألف نسخة من كتاب الله عز وجل ، ولم يزل الملوك فَمَنْ دونهم يتنافسون فيها إلى اليوم، – يقصد عصره – وكان قد آل على نفسه ألاّ يخطّ حرفا من غير المصحف ولا يُخلِط به سواه، وأقام على ذلك حياته كلها، خَالِفًا أباه وأخاه في هذه الصناعة التي اشتهروا بها ، وكان معروفا فيها وفي إبداعها آية من آيات خالقه …
يقول: رأيته على هذه الصفة واستفدت منه بعضا في رسوم الخط. وإنما ذكرت ترجمة الراسم لهذا المصحف الشريف وأولاده من بعده ليعلم إلى أي حد بلغت عناية أهل الأندلس بالتخصص في الفنون المستظرفة وفي تنميق الخطوط وتجويدها خاصة.”
ويعقب حسن حسني عبد الوهاب على مقولة ابن الأبار فيقول: “وهذه الشهرة لم تكن مقتصرة على خطاطنا المتقدم بل شملت لآل مفرج الأنصاري البلنسيين – أي آل غطوس -، فما منهم إلاّ وقد برع في رسم المصاحف ومهر في تنميقها وزخرفتها”
يخطر بالبال لأول وهلة أن هذا المصحف الكريم جُلِبَ من مدينة بلنسية إلى تونس بواسطة الحافظ ابن الأبار لما كان له من الوصلة بآل غطوس المشهورين بفن كتابة رسم المصحف، إذ أنه قرأ على ولده محمد بن عبد الله بعضا من علم القراءات ورسم المصحف كما أشار إلى ذلك في ترجمة شيخه محمد هذا.
ومما يزيدنا تأكيدا لهذا الأثر التاريخي الشريف رفعة وقيمة، أنه كتب في مدينة بلنسية بإسبانيا في خلال منتصف القرن السادس أي سنة 558هـ = 1163م أو قبلها يعني قبيل استيلاء الأسبان عليها سنة 636هـ =1239م فأخذ أعْيَانُها وخاصتها من ذلك الحين في الهجرة منها إلى بلاد إفريقية حيث نزلوا ضيوفا كراما “بحاضرة تونس” فاغتبطت الدولة الحفصية الفتية بمقدمهم وأحلّتهم محل التجلّة والإعظام والاستفادة من علومهم وصنائعهم وفنونهم الأمر الذي أكسب عاصمة إفريقية مجدا أثيلا وشهرة واسعة.
يقول حسن حسني عبد الوهاب: وكان من بين هؤلاء المهاجرين جماعة من ذوي البيوتات النابهة كآل الرّميمي وآل ابن خلدون وكبير الدولة “العود الرطب” والحاجب “ابن أبي الحسين” و”ابن عصفور” وآل ابن سيد الناس الكلاعي وآل الصفار الفلكيين وحازم القرطاجنّي وأخص منهم بالذكر العلامة المؤرخ الكبير الحافظ “أبا عبد الله محمد بن الأبار القضاعي” الذي توسط بالسفارة بين ابن الرميمي آخر أمراء بلنسية وبين “أبي زكرياء الحفصي” ملك إفريقية التونسية لنجدة بلاده حين حاصرها الأسبان .
فابن الأبار هو الذي حمل رجالات بلاده على الهجرة إلى تونس ، وكانت وفاته بها سنة 658هـ = 1260م.
والمصحف ربما جلبه ابن الأبار كهدية للسلطان الحفصي، وربما يكون من مآثر ورثة آل غطوس الذين حلوا ببلادنا وقد أكد حلولهم ونزولهم بحاضرة تونس المرحوم مصطفى زبيس في كتابه “نقائش القرجاني”. واستدل بلوحة رخامية بها نقيشة لـ”مسعودة غطوس” وهي من آل غطوس، مكتوب عليها (هذا قبر مسعودة ابنة الشيخ أبي محمد عبد الله بن فرج الغطوش توفيت ليلة السبت الثاني والعشرين لشهر ربيع الأول عام ثلاثة وتسعين وستمائة (693هـ) رحمها الله.
ومما ذكر أن ابن غطوس كتب ألف مصحف كما ادعى ابن الأبار.
وهذه المعلومة أثارت فضولي ، فسألت الخطاط عمر الجمني كم تستغرق كتابة مصحف بهذا الشكل بهذه الدقة والزخرفة، من الوقت؟
فأجاب: لا تقل كتابة مصحف من هذا النوع عن ستة أشهر .
وهذه العبارة مبالغ فيها لأنها لو صحت لعاش ابن غطوس ألف سنة وهذا تعجيز.
والمصحف المكتشف هو صغير الحجم، مما جعل كتابته أشق وأعسر على الخطاط، وتتطلب كثيرا من الوقت، مع العلم أن المخطوطة جاءت في أبهى حلة وأجمل تذهيب وأدقه، فكانت أكثر قيمة من سابقيها من الناحية الفنية والجمالية.
وسؤال ثان يطرح نفسه في أي زمان كتبت هذه المصاحف ؟
تفيد المراجع بأن حاكم بلنسية كان وقتها ابن مردنيش، هو محمد بن سعد بن محمد بن أحمد بن مردنيش الجذامي، أبو عبد الله: ملك شرق الاندلس. (518 – 567 ه = 1124 – 1171 م)
تصفه كتب المراجع بأنه كان عزيز الجانب، شجاعا، قوي الساعد، ولي مرسية وضم إليها بلنسية وشاطبة ودانية، واتسع نطاق إمارته، فطمع بقرطبة وإشبيلية. وكاد يستولي على جميع الأندلس، فنهض الموحدون لقتاله، فتقهقر. وحصروه بمرسية، فمات في أثناء الحصار.
قال الصفدي: سقته والدته السم، ولمّا أحس بالموت أمر أهله بتسليم البلاد إلى ابن عبد المؤمن الموحدي.
خلاصة القول :
هذا المصحف مكتوب بخط أندلسي رفيع وأنيق، به زَخرفة وتذهيب في غاية الروعة فاقت جميع المصاحف لدينا في ذلك العصر. وقد كتب منذ تسعة قرون تقريبا، فهو اكتشاف يثري المكتبة الوطنية بتونس ويزيدها قيمة مع ما يوجد فيها من كنوز ونوادر وتحف .

شاكر عادل كشك
رئيس قسم المخطوطات
دار الكتب الوطنية بتونس