تكريم الكاتب التّونسيّ ألبير ممّي يوم الجمعة 26 جوان 2020

نطرق أبواب المستقبل لتفتح
رجاء بن سلامة

تكريم الكاتب التّونسيّ ألبير ممّي :

تمّ في دار الكتب الوطنيّة التّونسيّة يوم الجمعة 26 جوان 2020 تكريم الكاتب التّونسيّ اليهوديّ ألبير ممّي، وإصدار كتاب يضمّ مقالات عنه، وشهادات كتبها باحثون شبّان وباحثات من الجامعة التّونسيّة. إليكم نصّ التّقديم لهذا الكتاب، وقد كتبته الدّكتورة رجاء بن سلامة.

*****

“تونس تجمعنا”. ألوان سجّادها الّذي يظهر على أريكة ألبير ممّي في صورة الغلاف تجمعنا. المسابح المتدلّية في الصّورة كعناقيد الكروم. نور سمائها ومباهج حقولها. روائح أكلاتها وزخّات مطرها على الأرض. زغاريد نسائها والحليّ الصّارخ والوشم على أجسادهنّ. أنغام طبولها ومزاميرها. بياض جدرانها وياسمينها. الأنس في اسمها، وكأنّ مجرّد النّطق بـ”تونس” تعويذة ضدّ الوحشة… كلّ ما يجعلها حاضرة في وجدان ألبير ممّي وكتاباته. فهو في الحقيقة لم يغادرها، كما يقول.

نكتشف في كلّ مرّة أنّ هؤلاء اليهود الّذين فارقوا البلاد ويعودون إليها أحيانا أو نذكرهم بعد موتهم، يشبهوننا كثيرا في كلّ شيء. هم أليفنا الموحش. ألقابنا ألقابهم، حارتهم حومتنا، أغاني أعراسنا هي أغاني أعراسهم، رقصاتهم رقصاتنا. يطبخون ما نطبخ، تقريبا. يلقون الماء وراء أحبّائهم المسافرين مثلنا. لكن من نحن؟ هل توجد فعلا “أغلبيّة” واحدة تمثّل كتلة صمّاء؟ إذا نظرنا إلى “نحن” هذه من النّاحية الدّينيّة، فإنّها متعدّدة مشروخة: في هذه الأغلبيّة المنسوبة إلى الإسلام مؤمنون وغير مؤمنين، دينيّون ولاديّنيون، مسلمون وخارجون من الإسلام، متشدّدون ومتسامحون، ممارسون للشّعائر وتاركون لها، عنيفون ومسالمون.

الاختلاف خارج إطار الدّين حياة وألوان وإبداع بهيج. والاختلاف من منظار الدّين قطيعة وتناحر وصراع تدميريّ.

الثّقافة بكلّ ألوانها تجمعنا، والدّين مخلوطا بالسّياسة يفرّقنا. الدّين إذا لم تكن تجربة روحانيّة فرديّة لا يجمع إلاّ ليفرّق. يجمع بعضا ضدّ بعض، المؤمنين ضدّ غير المؤمنين، والمسلمين ضدّ النّصارى، واليهود، والإسرائيليّين ضدّ العرب والمسلمين. إنّها القسوة المجنونة العابرة لكلّ العصور.

الثّقافة تجمعنا. والكتابة والأدب، والتّوجّه إلى المستقبل.

كان ألبير لاأدريّا. ولكنّه آمن بديْن مّا عليه. لأنّه تعلّم رغم تواضع أسرته، وعليه أن يعمل ويعلّم. وعلينا نحن أن ننهض بعبء هذا الدّيْن، فنتعلّم ونعلّم. ونجمّع ما تفرّق من أجزاء هذه الثّقافة، ولا نكون رجع صدى للسّلطويّة والتّمييز. هكذا أرى مهمّة المكتبة الوطنيّة الأساسيّة.

نلتقي في هذا الكتيّب لنجعل ألبير ممّي حاضرا في تونس كما كانت تونس حاضرة فيه. ننتمي إلى آفاق وأجيال مختلفة، ونلتقي للاحتفاء بأهمّ من كتب عن العنصريّة وكره المختلف. نعيد صوت هذا الغريب المهاجر إلى دياره. نعيد إلينا ألفته. نكتب عنه بكلّ اللّغات. نطرق أبواب المستقبل لتفتح.